قصة ترشحي لمنصب وكيل وزارة الخارجية
كان يوم الجمعة الحادى عشر من شهر ديسمبر 2012 وكانت عقارب الساعة فى طرابلس تشير الى العاشرة صباحا عندما استيقضت فجأة على رنين متوصل لهاتف المنزل بحجرة الصالون فانسلخت من فراشى بهدوء متثاقلا و مترنحا متجها الى حجرة الصالون اتحسس طريقى وسط الظلام الدامس الذي كان يلف حجرتى متجها الى الصالون للرد على الهاتف ، وقد ساعدنى على سرعة الوصول الى الهاتف والرد علي رنينه قبـل ان ينقطع صغـر حجـم شقتى التى لا يتجاوز حجمها ال110 م2 ، وما إن دلفت الى حجرة الصالون والقيت بثقلى على الكرسى المجاور للهاتف ورفعت السماعة متكاسلا ’وقلت آلو …نعم …حتى جاءنى من خلالها صوت رجالى لم يكن مألوفا لى يقول لى ” السلام عليكم أستاذ عاشور وصبحك الله بكل خيـرفرددت على التحية بما يجب أن يـرد ” وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته “…وكان المتصل الزميل المرحوم المناضل الدكتور سليمان ابو شويقيرسفيرنا فى سويسرا
وفى الحقيقة لم يكن بيننا أى إتصال منـذ أكثـر من ربع قـرن من الزمان حيث انه لكل منا ظروفه الخاصة التى ساهمـت فى نـدرة الاتصالات فيمـا بيننـا , وبعـد الترحيـب وتبـادل عبـارت التحـايـا والمجاملات العادية مستفسرا عن صحتى وصحة اسرتى قال لي ” أعذرنى – أخى عاشور- فى اتصالى بك فى هذه الساعة من يوم الجمعة وهو بلا شك يوم راحتكم فى ليبيا وكان من الواجب ألا أقلقكم ” …ولكن للضرورة أحكام …لقد تحصلت على رقم هاتف منزلكم بعـد أستفسارات عديدة من بعض زملائنا القدامي فى وزارة الخارجية ، الذين بارك الله فيهم أفادوني بآخر المعلومات عنكم ، وأنك موجود فى مدينة طرابلس وانك تعمل بمنصب الأمين العام لغرفة التجارة والصناعة ، علما بأن آخر معلوماتي عنكم أنـك متواجـد باليونـان تعمل كمساعد للأميـن العام للغرفة التجارية العربية اليونانية وعلى اي حال أخي عاشور سوف لن أطيل عليك … حيث أنه لدي صديق عزيزعلى استفسر مني عن شخصكم وطلب مني أن أزوده برقم هاتفكم للضررورة الملحة فمنحته له بعد أن تحصلت عليه بمساعدة زملائك فى الوزارة….وأرجو أن تعذرنى علي هذا التصرف حيث أن زميلى هذا سوف يتصل بكم ربما اليوم أو غدا يوم السبت … وأعتقد أن إتصاله هو هام لكم انتم ايضا ، خاصة وأنه يتعلق يالشأن الوطني فارجـو الإهتمام والتعاون معه من جهتكم
فأجبتـه بكـل سرور أخى سليمان ، ويشرفنى التعاون معه فى أى أمر يتعلق بالمصلحة العامة طالما أنه من طرفكم وبمعرفتكم ، ورغما عن الحاحى الشديـد فى أن يفصح لى الزميل المرحوم سليمان بو شويقير عن أسم هـذا ” المتصل المجهول ” أو الغـرض مـن الإتصال بى ، إلا أنـه تهرب بأسلوبـه المراوغ والذكى فى أن يفصح لى عـن أسـمه

وبالرغم من اننى حاولت الا اشغل نفسى كثيرا بالتفكير فى هذا الموضوع أو سر المتصل المجهول إلا أننى و بحكـم عملى خلال تلك الفتـرة كمديـر عـام لغـرفـة التجـارة والصناعـة بالجفارة و ترأسى كذلك للجنـة الإستشاريـة الاقتصاديـة بالاتحـاد العام لغـرف التجــارة والصناعـة فقـد أرجعـت ان يكون هـذا الإتصال المنتظر من الشخص المجهول بالتأكيد لـه علاقـة بطبيعة عملى ….حيث ان الكثيرين يتصلون بى فيما يتعلق بتسجيل شركاتهم لدى الغرف التجارية ، او الاستفسار عن بعض المستندات المطلوبة فى هذا الخصوص وغيرها من المعلومات الخاصة بالقطاع الاستثمارى والتجارى في ليبيا
عنتد الساعة الحادية عشـرتقريبا من صباح يـوم السبت الموافـق 12 / 12 / 2012 رن جـرس هاتـف البيت ، فـأسرعت إلى الـرد عليـه متوقعـا أن يكـون المتصل هـو ” المجهـول ” الـذى كنـت أنتظـر إتصالـه والـذى أوصـانى الزميـل المرحـوم الدكتـور سليمان بوشويقيـر بالإهتمام بالـرد عليه والتعـاون معه ، ولكـن المتصل هـذه المـرة لـم يكـن سـوى زميلـى الأستــاذ الطاهـر المحيشى ، الـذى عـادة مـا يتصل بـى صباح كـل يـوم سبـت لنتفـق سـويـا علـى تحديـد موعـد للقـاء فى أحـد المقـاهى المجاورة لسكنى بزاويـة الدهمانى وذلـك للهـدرزة على رشفـات من الكابـوتشينـو “المعتـق ” كما كنا نطلق عليه
ويـوم السبت بالنسبة لى لا يعـد يـوم عطلة ، بـل هـو أحـد الأيـام الثلاثة من كـل أسبوع الـذى عادة ما أكـون فيها مشغول بإصطحاب المرحومة إبنتى جيهان ظهـرا إلى مصحة الغسيل الكلوى بطريـق الشـط بطرابلس خـلال مواعيـد محـددة حيـث تخضـع هناك لجلسة تنقيـة الـدم لمـدة أربـع ساعات متواصلة ثـم أعـود بها بعـد الإنتهـاء من جلسة الغسيل الكلوي إلى البيت مباشرة لتخلد للـراحـة والنوم
وفى اللحظة التى كنت أتهيأ فيها للخروج برفقـة إبنتى إلى موعـدها بمصحـة الغسيل الكلوي رن جـرس الهاتف مجـددا فتوقعـت أن يكـون نفس المتصل الأستاذ الطاهـر المحيشى ، ربما ليبلغنى بتغييـرموعـد اللقـاء بيننا أو تغيير مكانه…. ولكـن هـذه المـرة ما إن رفعت السماعة حتى انساب إلى سمعي صوت أجش بعض الشىء متسائلا …الأستاذ عاشور الإمام …فأجبته …نعم .. فـرد ” صباحكم مبارك استاذ عاشور معـك علـى زيـدان رئيس مجلس الـوزراء…كيـف حالـك ..؟؟
فى الحقيقة لحقنى الشك فى أنه مقلب من أحد الزملاء وكنت على وشك أن أرد عليه مستهزئا … ولكن توقفت عن ذلك عندما واصل الرجل حديثه مشيرا الى إتصال الزميل الدكتور سليمان ابو شويقير بى يوم امس الجمعه .. فأجبته أهلا أستاذ على… فرصة طيبة أن أسمع صوتكم كيف حالكم ” ، فرد على بصوت منخفض لا يكـاد يسمع من كثـرة هدوئه ..” الحمـد لله أستاذ عاشـور.. بخير ، ثم واصل حديثه قائلا لا أدرى أستاذ عاشور إن كـان فى إمكانكم الحضوراليوم الى مكتبي برئاسـة مجلـس الـوزراء علـى تمام الواحـدة ظهـرا للحديث والتشـاور”….فأجبته بكل سرور يشرفنى ذلك أستاذ على …غير أننى للاسف سوف لن يمكنني الحضورعلى تمام الواحدة لأنى مرتبط بموعد هام فى مصحة الغسيل الكلوى فى هذا الوقت بالذات ….وسوف لن يكون فى إمكاني الحضور الا ما بعد الثالثة مساءا أو نؤجل الموعد إلى يوم غد الأحد الموافق 13 / 12 / 2012 فى أى وقت ترونه مناسبا لكم . فأبدى موافقته على أن نلتقى فى نفس اليوم بمكتبه تمام الرابعة من مساء ذلك اليوم
إذا أتضخت لى الآن هوية المتصل الذي كان مجهولا بالنسبة لى ….والذي رغم الحاحى علي زميلى الدكتور ابو شويقير بأن يذكر لى اسمه تملص وأمتنع عن التصريح بأسمه ، وأكتفى فقط بإفادتى بأنه شخص مهم وسيتصل بى فى موضوع هام وشدد على وجوب تعاوني معه إذا هو الأستاذ على زيدان رئيس وزراء ليبيا ، غيـر أننى لـم أكـن أتوقـع أن يأتينى إتصالـه فى هـذا الوقـت المزعج الـذى أستعـد فيـه للمغـادرة لتوصيـل إبنتى للمصحـة ولـم يكن أيضا يـدور بخلـدى أن يطلب منى الحضـور إلـى رئاسـة مجلـس الـوزراء هـذا اليـوم بالـذات وعلى تمام الساعة الواحدة مساءا ،غير أنه بعـد الإعتذار له ، وشرح ظـروفى الخاصـة الموجبة لتغيير توقيت…كان جنتلمان ومتفهما لظروفي حيث ترك لى حرية اختيار التوقيت كما افادني بأنه يعمـل بمكتبه حتى ساعـات متأخـرة من كـل يـوم وأنـه سيكـون بانتظـارى، فشكرتـه على ذلـك
وبعـد الإنتهاء من محادثتى مع السيـد على زيدان حملت إبنتى الى مصحـة الغسيل الكلوى بطريق الشط ، وهنـاك أنمتها على سريرها المعتاد بـعـد أن قمت بتعقيمه وأخرجـت من حقيبة إبنتى الصحيـة فلتـرالتعقيـم والوصلات البلاستيكيـة الخاصة بعملية تنقيـة الــدم وسلمتها جميعا للمـرضة المختصة لكـى تتولى تركيبها بمعرفتها بجهـاز تنقيـة الـدم ( الدياليسز) ، وجلسـت كا لعـادة بـقـرب سريـر أبنتـى أرقـب فى حـزن والـم مكبوت إنسياب دمها الأحمر صعـودا وهبوطا عبرالوصلات الشريانية الوريدية الشفافة الموصولة بذراعها اليسرى عبر جهاز” الفيستولا ” المزروع فى وريــد ذراعهـا….عملية مزعجـة فـى غاية التعقيـد لا يحـس بمرارتهــا وآلامهــا إلا من أبتــلى بهــذا المـرض اللعيـن..مـرض الفشــل الكلـوى
وعلى تمام الرابعـة مساءا بعـد أن أتمـت ” إبنتى ” قرابة اربع ساعات فى جلسـة الغسيـل المعتـادة ،عـدنا إلى البيت وكانت ككـل مـرة تعـود معى الى البيت متعبة ومرهقة ومنهكـه القـوي….والأدهي والأمر أننا فى العديد من الأوقات نجد جهاز المصعد عاطل عن العمل بسبب إنقطاع الكهرباء، وإبنتـى لا تقـوى حتى علـى السير، فمـا بالـك أن تتحمل صعـود السلـم إلى الـدور الرابع ،وكانت عـادتنا عندما نفاجأ بحدوث مثل هـذا العطل …ننتظر داخل السيارة فترة من الوقت أو نذهب معا إلي الجلوس في أحد المقاهى المجاورة وحتى رجوع الكهرباء للعمارة ، ولكـن لحسـن حـظنا ذالك اليـوم لـم ننتظـرطويـلا ، فلـم تتأخـر الكهرباء كثيرا كما هو متوقع في العادة ، ودلفنـا الى المصعـد بمجـرد عودتهـا صعـودا إلـى شقتى الصغيـرة …. وعلـى بـاب الشقـة كانـت تنتظرنـا شقيقـة ” جيهـان ” التى كانـت قـد رجعـت من عملهـا وبرفقتهـا ” قطـة جيهـان ” التى تعـودت هى أيضا على أن تكون في إستقبـال صاحبتهـا عنـد عودتها لترتمى بيـن أحضانها ، مداعبة لهـا ومخففـة من أحـزانها وآلامهـا ، و توجهـت أنا بعـد أن أوصلت أبنتى واطمأننـت عليهـا ، مباشـرة إلـى موعـدى مع الأستـاذ علـى زيـدان برئاسـة مجلـس الـوزراء
بتاريـخ 31 اكتوبر 2011 أختيـرالأستـاذ عبـد الرحيـم الكيب مـن قبـل المجلس الانتقالي الليبي كأول رئـيس وزراء لدولة ليبيا ما بعـد 17 فبرايـر 2011 واستمرت حكومتة فى الحكم حتى منتصف شهر نوفمبر 2012 عندما حلت محلها حكومة الأستاذ ” على زيدان ” وشكل الأستـاذ على زيـدان الـذى كان معارضا راديكاليا ضد نظام حكـم القـذافي السابق حكومته مع نهاية شهـرأكتوبـر من قـرابة ” 29 ” وزيرا من اللبرالييـن والمستقليـن والاسلامييـن وعـرض هـذه التشكيلـة التى فصـل فيهـا مـا بيـن وزارة الخارجيـة ووزارة التعـاون الدولى علي المؤتمر الوطني ، مرشحا الأستاذ محمد عبد العزيـز وزيـرا للتعـاون الدولي والأستـاذ على الأوجـلى وزيـرا للخارجية إلا أن هـذا الأخير لم يستلم ” أو لم تسلم له وزارةالخارجية التى ظل منصب وزيرها شاغـرا حتى الأسبوع الاول من شهـر يناير 2013 عندمـا تـم إعادة دمجها مجـددا مع وزارة التعـاون الدولى في وزارة واحدة

